مفھوم الغیر

0
354

تقدیم إشكالي:

إن كون الشخص أنا وعیة حرة مسؤولة أخلاقیا و قانونیا ، أي ذات تملك الوعي و الحریة إرادة لا یعني انھ قادر على
العیش وحیدا منعزلا على الآخرین . فالشخص كائن اجتماعي لا یستطیع العیش خارج الجماعة بل ھو في حاجة إلیھا
لتحقیق ذاتھ و الوعي بھا . فالغیر ضرورة ملحة بالنسبة للأنا فحضوره مسألة أساسیة و ملحة لإكمال وعي الأنا بذاتھا
و الوعي بوجودھا . فكیف یتحدد وجود الغیر إذن ھل یمكن للأنا أن تعیش بمعزل عن الغیر أم أن وجوده مشروط
بوجود الغیر ؟
ھل یمكن معرفة الغیر ؟ ھل معرفتھ ممكنة أم مستحیلة ؟ ماھي طبیعة العلاقة بین الأنا و الغیر ؟
ھل ھي علاقة تكامل و تواصل أم علاقة تنافر وصراع؟

  • العدم : عكس الوجود (لاشكل و لا لون، غیر محدد ….)
  • الوجود بالذات ، الوجود المادي كشيء .كموضوع دون وعي.
  • الوجود للذات ، الوجود الواعي كذات واعیة تعني وجودھا ووجود الغیر و العالم الخارجي

وجود الغیر:

إن وجود الغیر یجد جذوره في الفلسفة الیونانیة من خلال مجموعة من المفاھیم التي أنتجتھا مثل مفھوم التطابق أو الھوھو
في مقابل الاختلاف و الوحدة في مقابل الكثرة أن الیونان لم یبلوروا مفھوم الغیر باعتباره أنا اخربل اعتبروه كل ما لیس
ومخالف للذات . فالتقابل بالنسبة إلیھم كان بین الیونان من جھة و الشعوب الأخرى وبین الإنسان و العالم الخارجي .
فلم یتبلور ھذا المفھوم بالمعنى الحدیث إلا مع فلسفة ھیكل في مقابل الفلسفة الذاتیة لدیكارت .

أطروحة دیكارت : الفلسفة الذاتیة

یؤكد دیكارت أن وجود الإنسان كقوة فاعلة متمیزة عن غیرھا من الكائنات لا یتحقق إلا بملكة التفكیر التي تتیح لھ الوعي
بذاتھ و بالآخرین. فالتفكیر دلیل وجودي على وجود الذات ما دام الشك تفكیر وما دام التفكیر لا یمكن أن یصدر إلا عن ذات
موجودة “أنا اشك ،أنا أفكر ، إذن أنا موجود ” و الشك عند دیكارت منھجي فھو سبیل إلى الیقین و الشك تفكیر و التفكیر
حقیقة یقینیة بدیھیة یقینیة لا یمكن الشك فیھا COGITO ” دلیل على وجود الذات . وبھذا یخلص دیكارت إلى أن الأنا أفكر
و لیست في حاجة إلى وساطة الغیر لإثباتھا مما یجعل الأنا عند دیكارت حقیقة یقینیة و ذات منعزلة مستقلة ومنغلقة أما
الغیر فوجوده افتراضي احتمالي . فالأنا تعي ذاتھا بذاتھا وتدرك وجودھا من تلقاء ذاتھا لذلك فالأنا لیست في حاجة إلى
وساطة الغیر لتأكید وجودھا ووعیھا بذاتھا
لكن ألیس عدم الیقین من وجود الغیر ، ھو عدم یقین من وجود الذات و عدم امتلاك وعي كامل بھا

أطروحة ھیجل HEGEL

ادا كان دیكارت یعتبر الأنا ذاتا منغلقة منعزلة مستقلة عن الآخرین تكفي بذاتھا مما یجعلھا كیانا میتافیزیقیا مجردا
مطابقا لذاتھ یعیش في عزلة مطلقة عن العالم و الآخرین . فإن ھیجل خلافا لذلك یعتبر الأنا لیست معرفة جاھزة أو
معطى طبیعي فمعرفتھ لذاتھ لا تتحقق إلا من خلال الغیر عبر الانفتاح وتجاوز التقوقع و الانغلاق. فالأنا تغادر
انغلاقھا لتنفتح على الغیر لتنتزع منھ الاعتراف بھا كذات واعیة حرة . إلا أنھا تصطدم برغبة الغیر الذي یرغب في
نفس الرغبة أي انتزاع الاعتراف بھ كذات واعیة حرة مما یؤدي إلى أن یغامر كل منھما بحیاتھ في عملیة صراع
ینتھي بتنازل احد الطرفین عن حریتھ و إرادتھ حفاظا على حیاتھ ، فیقبل أن یتحول إلى موضوع وشيء أي إلى أداة
فیكون وجوده من اجل الآخر أي وعیا خاضعا تابعا (أي عبدا) بینما یتشبث الطرف الآخر بحریتھ و إرادتھ ویفضل
الموت عن التنازل عنھما فیكون وجوده وجودا لذاتھ فیتحقق وعیا خالصا وبذلك یكتمل وعیھ بذاتھ

استنتاج:

إذن فالوعي بالذات یتطلب تجاوز انغلاق الذات على ذاتھا و الخروج نحو الآخر و الانفتاح علیھ لأن وعیھا لا
یكتمل إلا باعتراف الآخر و بذلك فوجود الغیر ضروري لوجودالأنا و مكون لھ و لیس مجرد وجود افتراضي
احتمالي كما یرى دیكارت

نص جون بول سارتر.

الإشكال الذي یجیب عنھ النص كیف یتحدد وجود الغیر بالنسبة للانا ھل وجود الغیر ضروري لوجود الأنا؟

أطروحة النص

  • خلافا لدیكارت یؤكد سارتر أن وجود الغیر ضروري لوجود الأنا فمن خلال الغیر یدرك الأنا وجوده ویعیھ
    ویدرك قیمتھ فالغیر لیس شیئا أو موضوعا كباقي الأشیاء إنما ھو ذات واعیة حرة ، أي أنا آخر أو الأنا الذي
    لیس أنا مما یجعلھ مكون للأنا وشرط ضروري لوجوده لكن العلاقة مع الغیر ھي علاقة صراع ونفي، فكل
    منھما یتحول تحت نظرة الآخر إلى موضوع و شيء لكن الأنا في حاجة إلى الغیر . ومن خلال تجاوز تلك
    النظرة و التعالي علیھا یحقق الأنا وجوده وحریتھ لیصبح اللقاء بین الأنا و الغیر لقاء بین حریتھ وحریة ومن
    خلال ھذا اللقاء وھذه المواجھة یحقق الأنا ذاتھ كذات حرة متعالیة البنیة الحجاجیة .
  • یوظف النص أسلوبا حجاجیا یعتمد آلیة الإثبات و التأكید فھو یؤكد أن وجود الغیر ضروري لوجود الأنا كما
    یوظف آلیة النفي حیث ینفي إمكانیة استغناء الأنا عن الغیر لإثبات وجوده و إدراكھ وقد وضح ذلك اعتمادا على
    أمثلة .

استنتاج:

إذا كان دیكارت قد انطلق من تجربة الشك لیضع الأنا الذي یشك أي یفكر في عزلة وجودیة مطلقة لا تحتاج إلى
وساطة الآخرین و العالم الخارجي لإدراك وجوده و الوعي بھ فالأنا أفكر حقیقة یقینیة في حین یعتبر وجود الغیر
وجودا احتمالي افتراضي و إذا كان ھیكل یعتبر أن اكتمال وعي الأنا بذاتھ یقتضي خروجا للذات من انغلاقھا و
انفتاحھا على الغیر لانتزاع الاعتراف بھا منھ كذات واعیة حرة . إلا أن ھذه الرغبة تصطدم برغبة الغیر فھو یرغب
في نفس الرغبة أي انتزاع الاعتراف بھ كذات واعیة حرة. مما یؤدي إلى الصراع والمواجھة و المغامرة بالحیاة
لینتھي ھذا الصراع بتنازل احد الطرفین عن حریتھ وإرادتھ فیقبل حفاظا على حیاتھ لیتحول إلى موضوع وشيء أي
أداة فیكون عبدا . أما الطرف الثاني یفضل الموت على التنازل عن حریتھ وإرادتھ فیكون سیدا أي وعیا خالصا.
وھذا ما یسبب ھیجل جدلیة العبد و السید أما سارتر فیؤكد أن الغیر لیس شیئا وموضوعا بل ھو أنا آخر أي الأنا الذي
لیس أنا ، فوجوده شرط ضروري لوجود الأنا فلا یمكن للانا أن یعي وجوده وقیمتھ إلا من خلال الغیرو بواسطتھ ،
غیر أن نظرة الأنا للغیر تحولھ إلى موضوع وشيء ونفس الشيء بالنسبة لنظرة الغیر للأنا مما یؤدي إلى علاقة
صراع ومواجھة من خلالھا یتمكن الأنا من تحقیق حریتھ و التعالي على وجوده لكل ھل معرفة الغیر ممكنة ام
مستحیلة ؟یقینیة ام تقریبیة

نص مالبرنش EMALABRANCHE

السؤال الذي یجیب عنھ النص ھل یمكن للانا معرفة الغیر معرفة یقینیة ؟


أطروحة : مالبرنش

یؤكد مالبرانش أن معرفة الغیر من طرف الأنا ھي معرفة تخمینیة تقریبیة و لیست معرفة یقینیة . لأن الأنا لا یستطیع
أن تنفذ إلى أعماق الغیر لإ دراك حقیقة مشاعره وعواطفھ و أحاسیسھ وانفعالاتھ ، فھو یقوم بعملیة إسقاط أي یسقط
علیھ ما یحس بھ ویشعر بھ انطلاقا من مبدأ المماثلة وبذلك یخلص مالبرانش إلى أن معرفة الأنا للغیر تظل معرفة
تقلیدیة احتمالیة ولیست یقینیة.

البنیة الحجاجیة:

یوظف النص أسلوبا حجاجیا یعتمد عى صیغتین، صیغة العرض و التوضیح و الاستدلال بالأمثلة .
لكن ھل معرفة الغیر فعلا مستحیلة،ألا یمكن أن تكون ھناك معرفة یقینیة ممكنة انطلاقا من التواصل معھ ومشاركتھ
للوجدانیة

نص میرلوبونتي :

الإشكال الذي یجیب عنھ النص : ھل یمكن للانا معرفة الغیر من خلال التواصل معھ ومشاركتھ وجدانیا وعاطفیا؟

أطروحة النص :

یؤكد میرلوبونتي خلافا لما لبرنش أن معرفة الأنا للغیر ممكنة ولیست مستحیلة فكل منھما یمتلك جسدا ووعیا
ویتقاسما الوجود في نفس العالم مما یفرض على كل منھما الاعتراف بالآخر و التواصل معھ، ولعل اكبر دلیل على
ھذا التواصل ھو اللغة وبذلك یستطیع كل طرف منھما أن ینفذ إلى أعماق الآخر ویشاركھ عاطفیا ووجدانیا وھكذا
تصبح معرفة الأنا للغیر ممكنة ولیست مستحیلة، یقینیة ولیست تخمینیة و أن العلاقة معھ لیست دائما علاقة صراع
ونفي وعذاب بل قد تكون أیضا علاقة اعتراف وتواصل وصداقة مما یجعل ھذه العلاقة غنیة ومتعددة. فما ھي إشكال
ھذه العلاقة إذن وما ھي الاسسس التي تقوم علیھا ؟

العلاقة مع الغیر:

ھل علاقة تكامل وتواصل أم علاقة صراع وتنافر؟
نص أرسطو : الإشكال : ھل یمكن للعلاقة بین الأنا و الغیر أن تقوم عل أساس الصداقة ؟ وماھي أشكال و أنواع ھذه
الصداقة

أطروحة النص :

یؤكد أرسطو أن الصداقة ضرورة بشریة لا یمكن الاستغناء عنھا ویصنفھا إلى ثلاثة أنواع : صداقة المتعة وصداقة
المنفعة وكلاھما مجرد وسیلة لتحقیق المتعة أو المنفعة مما یجعل ھذا النوع من الصداقة صداقة زائفة زائلة فھي تزول
بزوال المتعة و المنفعة أما النوع الثالث فھي صداقة الفضیلة وھي الصداقة الحقیقیة لأنھا غایة في حد ذاتھا لأنھا
تؤسس على محبة الآخر لذاتھ مما یجعلھا صداقة مبنیة على الفضیلة و المحبة و الوفاء وھي صداقة دائمة مستمرة
لأنھا غایة ولیست وسیلة إلا أنھا ناذرة. فلو كانت شائعة بین الناس لاستغنوا عن القوانین و التشریعات لما یترتب عنھا
من علاقة أساسھا المحبة و الاعتراف المتبادل و الاحترام .
فإلى أي حد یمكن للعلاقة مع الغیر أن تتأسس على المحبة و الاعتراف المتبادل و التضحیة ونكران الذات؟

نص اوغست كونت

الإشكال الذي یجیب عنھ النص : إلى أي حد یمكن أن تقوم العلاقة بین الأنا و الغیر على نكران الذات والتضحیة و
الغیریة

أطروحة النص:

یؤكد اوغست كونت أن العلاقة مع الغیر إذا تأسست على الغیریة ونكران الذات و التضحیة من اجل الغیر فإن ذلك
یؤدي إلى ترسیخ مشاعر التعاطف و المحبة بین الناس فتحقق الإنسانیة غایاتھا الكبرى وھي نشر قیم العقل و العلم و
التضامن و الاستقرار مما سیسمح بتطویر الوجود البشري . فالغیریة فضیلة أخلاقیة وقیمة مثلى یتجاوز فیھا الإنسان
أنانیتھ وذاتیتھ وینتصر على غریزتھ فیحیى من أجل غیره وبذلك تنشأ بین الأنا و الغیر علاقة نبیلة تقوم على نكران
الذات و التضحیة

استنتاج:

إذا كان أرسطو یؤكد أن الصداقة ضرورة بشریة لا یمكن الاستغناء عنھا لأي كان كیفما كان فالإنسان في حاجة ماسة إلى
صدیق یشاركھ أحزانھ و أفراحھ وإذا كانت الصداقة الحقیقیة ھي الصداقة المبنیة على المحبة المتبادلة وعلى الفضیلة
الأخلاقیة مما یجعلھا غایة ولیست مجرد وسیلة لتحقیق المنفعة أو المصلحة مما یجعل ھذه الصداقة تساھم في نشر القیم
الأخلاقیة السامیة بین الأفراد . فإن اوغست كونت یؤكد أن الإنسانیة تقوم على الغیریة وتجاوز ذاتیتھ ونكرانھا من اجل
التضحیة من اجل الغیر وبذلك فالعلاقة مع الغیر لیست مجرد علاقة صراع ومواجھة ونفي وتنافر بل قد تقوم كذلك على
الاعتراف المتبادل و التواصل و الاحترام و الصداقة بل و التضحیة من اجل الآخر مما یجعل العلاقة مع الغیر متعددة
الأبعاد متنوعة ومختلفة وغنیة لا یمكن اختزالھما في شكل دون آخر لأن الإنسان ظاھرة متعددة الأبعاد .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا