الواجب

0
546

تقدیم

یعتبر مفھوم الواجب قطب رحى الفلسفة الأخلاقیة ، إذ یشكل إحدى المقولات الأساسیة التي انبنى علیھا التفكیر
الفلسفي في الشق الأخلاقي إلى جانب قیم أخرى كالسعادة و الحریة… والحدیث عن الواجب باعتباره أحد ھذه القیم
یدفعنا للتساؤل:ما ھو الواجب ؟وما ھو الأساس الذي یقوم علیھ؟ھل یقوم على الالتزام الداخلي المؤسس على الوازع
الأخلاقي؟أم أنھ یقوم على سلطة الإكراه والإلزام الخارجي بغض النظر عن مصدره وطبیعتھ؟وإذا كان الواجب یقوم
على الالتزام الداخلي ألا یقتضي ذلك ضرورة وجود وعي أخلاقي من شأنھ أن یشكل الأساس الذي یقوم علیھ
الواجب إلى جانب أسس أخرى كالقوانین الوضعیة؟وعندما نتحدث عن الواجب ،ألا یحق لنا أیضا أن نتساءل :ھل
الواجب ھو واجب تجاه الذات أم تجاه الآخرین؟

المحور الأول: الواجب و الإكراه

الحدیث عن مفھوم الواجب یجرنا للتساؤل عما إذا كان إلزاما أم التزاما ؟بمعنى آخر ھل ما نقدمھ من واجب ھو
صادر عن رضى وطیب خاطر؟أم لأننا أرغمنا علیھ؟
یذھب كانط إلى اعتبار الواجب ھو القیام بالفعل احتراما للقانون القانون الذاتي الأخلاقي القائم على الخیر
الأسمى، والمؤسس على العقل والإرادة وعلى ھذا النحو یكون المرجع الأساسي الذي یجب أن ینطلق منھ الجمیع
ھو العقل لأنھ كوني بالنسبة للجمیع. والحكم الأخلاقي إذ یصدر عن الإرادة الخیرة الحرة التي مصدرھا العقل ھي
الأخرى فھو أیضا یمكن توصیفھ بالكوني.
اھتجس كانط بھاجس الكونیة وھو یبني فلسفتھ النقدیة بشكل عام. لذلك وضع قوانین تتسع رقعتھا لتشمل الإنسان
كمفھوم، أي الإنسان في صیغتھ المطلقة، مركزا على العقل والإرادة لطابعھما الكوني والمشترك. فالعقل العملي
إلى جانب الإرادة ھما المشرعین لمفھوم الواجب، الذي ھو إكراه، من حیث ھو فعل خاضع للعقل، وللحریة، لأن
مصدره الإرادة.
في حین یرى ھیجل أن الأطروحة الكانطیة مجرد نزعة صوریة تفتقر إلى التجلي والتجسد في الواقع. فالواجب
مع ھیجل ذو طابع مؤسساتي وغایتھ ھي إقامة الدولة القویة التي یبتدئ بناء صرحھا من الفرد الذي ینصھر في
الكل، بلغة صاحب الفینومنولوجیا ” یجب على الفرد الذي یؤدي واجبھ أن یحقق مصلحتھ الشخصیة أو إشباعھ وأن
یتحول الشأن العام إلى شأن خاص بفعل وضعیتھ داخل الدولة. فان دل ھذا فإنما یدل على أن المصلحة الخاصة
تنصھر ضمن المصلحة العامة بحیث یضمن الفرد حمایتھا. “فالفرد یقول ھیجل الخاضع للواجبات سیجد في
تحقیقھا حمایتھ لشخصھ ولملكیتھ باعتباره مواطنا، وتقدیرا لمنفعتھ وإشباعا لماھیتھ الجوھریة، واعتزازا بكونھ
عضوا في ھذا الكل؛ وبذلك یغدو الواجب مرتبطا بالدولة لا بالذات في وجودھا الخالص.
وعلى النقیض من ذلك یرى غویو أن الفعل الأخلاقي لا یجب أن یصدر عن إلزام و لا عن خوف من أي
جزاء أو عقاب. إنما یكون ھو فعلا تأسیسیا لمسار الحیاة الذي لا ینتھي، و لغایات حددتھا الطبیعة الإنسانیة بوصفھا
فاعلیة مطلقة نحو الحیاة. لكن الواجب الأخلاقي من وجھة النظر الطبیعیة ھاتھ التي لیس فیھا شيء غیبي، یرتد إلى
القانون الطبیعي الشامل ، فمصدره ھو الشعور الفیاض “بأننا عشنا و أننا أدینا مھمتنا … و سوف تستمر الحیاة
بعدنا، من دوننا، و لكن لعل لنا بعض الفضل في ھذا الاستمرار”. و المنحى نفسھ یتخذه نیتشھ حین یؤسس الأخلاق
على مبدأ الحیاة بوصفھا اندفاع خلاق محض. إذ الفعل الأخلاقي عند نیتشھ ما یخدم الحیاة ویزید من قوتھا و لیس ما
یضعف الحیاة و یزید من محدودیتھا. ھكذا ھو الخیر و الشر عند نیتشھ.

المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

یعتبر مفھوم الوعي الأخلاقي مفھوما مركزیا في الفلسفات الأخلاقیة .فما ھو الأساس الذي یقوم علیھ ھذا
الوعي؟

یرى روسو أن الوعي الأخلاقي إحساس داخلي موطنھ وجداننا فنحن نحسھ قبل معرفتھ ،وھو الذي یساعدنا
على التمییز بین الخیر والشر ،والحسن والقبیح،وھي إحساسات طبیعیة وفطریة یسعى الإنسان من خلالھا إلى تفادي
ما یلحق الأذى بھ وبالآخرین،ویمیل إلى ما یعود علیھ وعلى الآخرین بالنفع.الأمر الذي یقوي لدیھ الوعي الأخلاقي
فیجعلھ متمیز عن باقي الكائنات الحیوانیة الأخرى.
أما ھیجل فانع یعتبر الوعي الأخلاقي ھو الربط بین الواجب والمبادئ الأخلاقیة.وفي ھذا الإطار یمیز ھیجل بین
الواجب بمعناه القانوني والواجب بمعناه الأخلاقي ،فإذا كان النوع الأول من الواجب یعتبر نموذجیا،فان النوع الثاني
یفتقر إلى الطابع النموذجي،وذلك لقیامھ على الإرادة الذاتیة.لكن ،سرعان ما سیعكس ھیجل ھذا الحكم ،عندما سیعتبر
الواجب القانوني واجبا یفتقر إلى الاستعداد الفكري،على عكس الواجب الأخلاقي الذي یستدعي ذلك الاستعداد،ویقتضي
أن یكون مطابقا للحق في ذاتھ.وعلى ھذا النحو یصبح للواجب الأخلاقي قیمة باعتباره وعیا ذاتیا ولیس إلزاما خارجیا.
وفي مقابل ھذین التصورین ،یذھب نیتشھ إلى رفض كل التزام أخلاقي ، سواء من الناحیة المبدئیة أو من ناحیة
ادعائنا القدرة على تعمیمھ على جمیع الذوات.إن اعتبار الالتزام الأخلاقي أساسیا للفعل الأخلاقي ،ھو في نظره ھو جھل
بالذات وسوء فھم لھا، وخصوصا عندما تدعي تلك الذات إمكانیة تعمیمھ على كل الذوات الأخرى. وكبدیل لھذا الالتزام،
یشدد نیتشھ على الأنانیة الذاتیة، بما تعنیھ من ھناء وخنوع وتواضع، باعتبارھا أساسا للسلوك الإنساني عوض ذلك
الالتزام الأخلاقي الزائف.

المحور الثالث: الواجب و المجتمع

ماھي الصلة التي یمكن إقامتھا بین الواجب والمجتمع ؟ وكیف تتحدد واجبات الفرد تجاه المجتمع والآخرین؟
یرى دوركھایم بأن المجتمع یشكل سلطة معنویة تتحكم في وجدان الأفراد، و یكون نظرتھم لمختلف أنماط
السلوك داخلھ، و من ثمة فالمجتمع یمارس نوعا من القھر و الجبر على الأفراد إذ ھو الذي یرسم لھم معالم الامتثال
للواجب الأخلاقي و النظم الأخلاقیة عموما، و لما كانت الحال كذلك لأن الأفراد یُسلب منھم الوعي بالفعل الأخلاقي،
لأنھ لم یكن نابعا من إرادة حرة و واعیة و إنما عن ضمیر و وعي جمعیین ھما المتحكمان في سلوكیات الأفراد. و
بالتالي فالمجتمع سلطة إلزامیة “و التي یجب أن نخضع لھا لأنھا تحكمنا و تربطنا بغایات تتجاوزنا.
و من ثمة فالمجتمع یتعالى على الإرادات الفردیة، و یفرض السلوكیات التي یجب أن یكون بما فیھا السلوكیات
الأخلاقیة لأن المجتمع “قوة أخلاقیة كبیرة. فیحقق الأفراد غایة المجتمع لا غایة ذواتھم و الإنصات لصوتھ الآمر
لأن “تلك المشاعر التي تملي علینا سلوكنا بلھجة آمرة صارمة و ضمیرنا الأخلاقي لم ینتج إلا عن المجتمع و لا
یعبر إلا عنھ.
أما ماكس فیبر فینصرف في حدیثھ عن الواجب الأخلاقي و الأخلاق عموما إلى القول بأن الأخلاق في مجملھا
تنقسم إلى نمطین اثنین: نمط أول موسوم بأخلاق الاقتناع ذات المظھر المثالي و المتعالي التي یكون فیھا الفرد غیر
متحمل لأیة مسؤولیة، و إنما ھي مركونة إلى المؤثرات و العوامل الخارجیة التي لا یتدخل فیھا الفرد، و إنما تطرح
فیھ بتأثیر الأبعاد الدینیة، بما ھي صوت متعال یصدر أوامره، حیث إن ” أخلاقیة الاقتناع لن ترجع المسؤولیة إلى
الفاعل، بل إلى العالم المحیط و إلى حماقة البشر و إلى مشیئة لله الذي خلق الناس على بھذه الصورة.
و نمط ثان من الأخلاق ھو ما أطلق علیھ أخلاق المسؤولیة، التي تصدر من الذات الفردیة و تتأسس على
الوعي الفردي الحر، إذ “نحن مسئولون عن النتائج التي تمكن توقعھا لأفعالنا”، و لا ترجع المسؤولیة إلى بعد
خارجي قسري، لا علاقة لھذه الأخلاق بالقدر أو بالحظ.
لكن جون راولز صاحب نظریة العدالة في الفكر السیاسي المعاصر، فیذھب الى أن الواجب الأخلاقي باعتباره
نمطا من التضامن الذي یبنیھ و یؤسسھ الجیل السابق للجیل اللاحق، حتى یستطیع الجیل الأول أن یوفر كل
إمكانیات العیش الرغید و المریح. فكل جیل یتحمل على كاھلھ مسؤولیة تأمین المستقبل الذي لا یجعل الجیل اللاحق
في حالة من الضیاع و التشتت.
و كثیرة ھي المناحي التي ینبثق منھا ھذا الواجب الأخلاقي بما ھو تضامن بین الأجیال ، و ھذا التضامن ھو
خدمة للمجتمع عموما و تقسیم الثروات بشكل عادل.

خاتمة

انطلاقا مما سبق التطرق إلیھ من مواقف نجد أن الواجب الأخلاقي مفھوم یتراوح بین عدة أنظار و مواقف
متباینة لا تتعارض أكثر مما تكون صورة بانورامیة حولھ، فمنھم من جعل من الواجب إرادة حرة و مطلقة في مقابل
رأي معاكس إذ یرى النقیض، حیث جعل من الواجب الأخلاقي جزءا لا یجتزئ عن سلطة من السلط إما نفسیة أو
دینیة أو غیر ذلك…

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا