الشخص

0
358

الشخص والھویة الشخصیة

استشكالات أولیة:

رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسیة التي یمر منھا الشخص طیلة حیاته، فإن كل واحد منا یحیل باستمرار إلى نفسه بضمیر “أنا” بوصفه وحدة وھویة تظل مطابقة لذاتھا على الدوام. غیر ان ھذه الوحدة التي تبدو بدیھیة تطرح مع ذلك أسئلة عدیدة
بل إن البدیھي یشكل الموضوع الأثیر والمفضل للفكر الفلسفي. ویمكن القول أن الفیلسوف یصادف إشكالیة الوحدة
المزعومة للھویة الشخصیة في معرض بحثه في الماھیات والجواھر. یتساءل الفیلسوف: إذا كان لكل شيء ماھیة تخصه، بھا یتمیز عن غیره، فھل ھناك ماھیة تخص الفرد، بھا یتمیز عن غیره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنھ ما من صفة فیه، جسمیة او نفسیة، إلا ویشاطره التخلق بھا عدد قلیل أو كثیر من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاریخ، فھل ھناك جوھر یظل ثابتا رغم تغیرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتھا؟
وھل ھذا الجوھر كیان میتافیزیقي مكتمل التكوین منذ البدأ، أم أنھا سیرورة سیكلوجیة تجد سندھا المادي في الذاكرة، وعملیة تطوریة تنشأ تدریجیا بفضل تفاعل الفرد مع الغیر؟

أ-ثبات الأنا واستمراریته في الزمان:
موقف دیكارت: التصور الجوھراني الماھوي للھویة الشخصیة
نلاحظ أن الفرد یستطیع التفكیر في الموجودات الماثلة أمام حواسھ أو المستحضرة صورتھا عبر المخیلة، ولكنه یستطیع أیضا التفكیر في ذاته ، في نفسه ھذه التي تفكر!!
یسمى ھذا التفكیر وعیا وھو نفس الوعي الذي اعتمدعلیھ دیكارت في ” الكوجیطو” وخصوصا وعي الذات بفعل التفكیر الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبیعة المفكرة للذات التي تقابل عند دیكارت طبیعة الإمتداد الممیزة للجسم تساءل دیكارت في التأمل الثاني: “أي شيءأنا إذن”؟ وأجاب: ” أنا شيء مفكر”
ولكن ھل وراء أفعال الشك والتذكر والإثبات والنفي والتخیل والإرادة…ھل وراءھا جوھر قائم بذاته؟
یجیب دیكارت بنعم : إنھا النفس، جوھر خاصیته الأساسیة التفكیر، أي أن للكائن البشري طبیعة خصائصھا ھي أفعال التفكیر من شك وتخیل وإحساس…وھي مایشكل الھویة الشخصیة للكائن البشري، بل إنھا صفته الأكثر یقینیة، والأكثر صمودا أمام أقوى عوامل الشك
موقف جون لوك:نقد التصور الجوھراني الماھوي: لیست الھویة الشخصیة سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا
جون لوك أن مایجعل الشخص ” ھو نفسه” عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، ھو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب یرى مختلف أفعاله وحالاته الشعوریة من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إلیھا الذاكرة التي تربط الخبرات الشعوریة الماضیة بالخبرة الحالیة، مما یعطي لھذا الوعي استمراریة في الزمان
إذن فلوك و دیكارت مجمعان بأن الشخص ھو ذلك الكائن الذي یحس ویتذكر ویضیف التجریبي لوك یشم ویتذوق ولكنھما یختلفان فیما یخص وجود جوھر قائم بذاته یسند ھذا الوعي وھذه الاستمراریة التي یستشعرھا الفرد، والواقع أن ” الجوھر المفكر” من وجھة نظر المحاكمة الحسیة كینونة میتافیزیقیة لایسع لوك قبولھا انسجاما مع نزعته التجریبیة التي لاتقر لشيء بصفة الواقعیة والحقیقة مالم یكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس
وباختصار فالھویة الشخصیة تكمن في فعل الوعي، وعندما یتعلق الأمربالماضي یصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل ھذا لكي یتجنب لوك القول بوجود جوھر مفكر، أي أن الھویة لاتقوم في أي جوھر مادي كان أو عقلي، ولاتستمر إلا مادام ھذا الوعي مستمرا
موقف دافید ھیوم: النقد الجذري للتصور الدیكارتي الماھوي
دافید ھیوم فیلسوف تجریبي، لایعترف بغیر الانطباعات الحسیة مصدرا أولا للأفكار، وعلیه فلكي تكون فكرة ما واقعیة، فلابد لھا أن تشتق من انطباع حسي ما، والحال أن فكرة “الأنا” أو “الشخص” لیست انطباعا حسیا مفردا، بل ھي ماتنسب
إلیه مختلف الانطباعات. وإذا ما وجد انطباع حسي مولد لفكرة “الأنا” فلابد أن یتصف ھذا الانطباع بنفس صفات الأنا وھي الثبات والاستمراریة طیلة حیاتنا، والحال أنھ لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأھواء والاحساسات…، حالات شعوریة تتعاقب ولاتوجد أبدا متزامنة أومجتمعة. وعلیه ففكرة الأنا لایمكن ان تتولد عن ھذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل ھذه الفكرة واقعیا، ومن باب أولى ینبغي الامتناع عن أي حدیث عن الھویة الشخصیة كجوھر قائم بذاته.

ب- الذاكرة والھویة الشخصیة:

بغض النظر عما إذا كانت الھویة جوھرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعوریة متباینة، فإن الھویة لیست كیانا میتافیزیقیا مكتمل التكوین منذ البدأ، إنھا سیرورة سیكلوجیة تجد سندھا المادي في الذاكرة، وعملیة تطوریة تنشأ تدریجیا بفضل تفاعل الفرد مع الغیر
سبق لـابن سینا أن لاحظ، في ھذا الإطار، بأن فعل التذكر ھو الذي یمنح الفرد شعورا بھویته وأناه وبثباتھا.ویتجلى ھذا واضحا في شعور الفرد داخلیاً وعبر حیاتھ باستمرار وحدة شخصیته وھویتھا وثباتھا ضمن الظروف المتعددة التي تمر بھا، كما یظھر بوضوح في وحدة الخبرة التي یمر بھا في الحاضر واستمرار اتصالھا مع الخبرة الماضیة التي كان یمر بھا إذا كانت الذاكرة ھي مایعطي لشعور الشخص بأناه وبھویته مادتھما الخام، فإن امتداد ھذه الھویة في الزمان، كما یلاحظ جون لوك، مرھون باتساع أو تقلص مدى الذكریات التي یستطیع الفكر أن یطالھا الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن ھو نفسه الذي كان ماضیا وصاحب ھذا الفعل الماضي ھو نفس الشخص الذي یستحضره الآن في ذاكرته.
ھذا السبب، وعندما یتساءل برغسون عن ماھیة الوعي المصاحب لجمیع عملیات تفكیرنا، یجیب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، یوجد بوجودھا ویتلف بتلفھا
ومن الجدیر بالذكر أن الوعي بالذات على ھذا النحو الأرقى لیس مقدرة غریزیة او إشراقا فجائیا، بل ھو مسلسل تدریجي بطيء یمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ینفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغیر

الشخص بوصفه قیمة:

استشكالات أولیة:

مالذي یؤسس البعد القیمي-الأخلاقي للشخص؟ وھل یمكن فلسفیا تبریر الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص
البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤولیته والتزامھ كذات عاقلة وحرة تنسب إلیھا مسؤولیة افعالھا ؟
یستفاد من المحورین السابقین أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعیین ء أي وقبل أن یتحدد بطول قامته أو لون عینیه او مزاجه أو ثروتهء ھو ذات مفكرة، عاقلة، واعیة قوامھا الأنا الذي یمثل جوھرھا البسیط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بین الفلاسفة حول طبیعة ھذا الأنا وعلاقتھ بالجسد والانطباعات الحسیة والذاكرة…
ولكن مافائدة ھذا التجرید النظري على المستوى العملي؟ ھل یمكن أن نرتب علیھ نتائج أخلاقیة ملموسة؟
موقف كانط:العقل أساس قیمة الشخص وكرامته
انطلاقا من ھذا التجرید، ذھب كانط بأن الإنسان ھو أكثر من مجرد معطى طبیعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي یستمد منه كرامة أي قیمة داخلیة مطلقة تتجاوز كل تقویم أو سعر.إن قدرته كذات أخلاقیة على أن یشرع لنفسه مبادئ یلتزم بھا بمحض إرادته، ھي ما یعطیه الحق في إلزام الآخرین باحترامه أي التصرف وفق ھذه المبادئ. ومادام ھذا العقل الأخلاقي ومقتضیاته كونیا، فإن الأنسانیة جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما یستوجب احترامه ومعاملته كغایة لاكوسیلة والنظر إلیه كما لو كان عینة تختزل الإنسانیة جمعاء.
وھذا الاحترام الواجب له من طرف الغیر لاینفصل عن ذلك الاحترام الذي یجب للإنسان تجاه نفسه،إذ لا ینبغي له أن یتخلى عن كرامته، وھو ما یعني أن یحافظ على الوعي بالخاصیة السامیة لتكوینه الأخلاقي الذي یدخل ضمن مفھوم الفضیلة.
لقد كتب كانط ھذه الأفكار في “أسس میتافیزیقا الأخلاق” في القرن الثامن عشر وصحیح أن القرن العشرین قد شھد تحسنا كبیرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفیف من المیز ضد النساء…، بید أنه عرف أیضا أھوال حربین عالمیتین جسدتا واقعیا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إلیھما حروب محلیة شھدت أبشع أنواع التطھیر العرقي ومعسكرات الاعتقال… مما جعل التأمل الفلسفي، في القرن العشرین یعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدیة وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى.
موقف طوم ریغان:قیمة الشخص نابعة من كونه كائنا حیا حاسا
تنتمي فلسفة طوم ریغان إلى التقلید الكانطي، لكن في حین یؤسس كانط القیمة المطلقة التي نعزوھا إلى الكائنات البشریة على خاصیة العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بھا ھذه الكائنات،بما یجعل منھا ذواتا أخلاقیة، فإن طوم ریغان یعتبر ھذا التأسیس غیر كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القیمة المطلقة لكائنات بشریة غیر عاقلة مثل الأطفال وكذا الذین یعانون من عاھات عقلیة جسیمة.
وعلیه فإن الخاصیة الحاسمة والمشتركة بین الكائنات البشریة لیست ھي العقل، بل كونھم كائنات حاسة واعیة أي كائنات حیة تستشعر حیاتھا، بما لدیھا من معتقدات وتوقعات ورغبات ومشاعر مندمجة ضمن وحدة سیكلوجیة مستمرة في الماضي عبر التذكر ومنفتحة على المستقبل من خلال الرغبة والتوقع…، مما یجعل حیاتھا واقعة یعنیھا أمرھا، بمعنى ان مایحدث لھا، من مسرة تنشدھا أو تعاسة تتجنبھا، یعنیھا بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان یعني شخصا آخر أم لا
ویمضي توم ریغان بھذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جمیع المخلوقات التي یمكنھا أن تكون «قابلة للحیاة»، أي مواضیع لوجود یمكن أن یتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إلیھا، تمتلك قیمة أصلیة في ذاتھا وتستحق أن تحترم مصالحھا في عیش حیاة أفضل
إذا كان تصور طوم ریغان یتجاوز بعض مفارقات التصور الكانطي، فإنه یثیر مفارقات لاتقل عنھا إحراجا لأن معیار “الذات الحیة التي تستشعر حیاتھا” یلزمنا بإضفاء قیمة أصیلة مطلقة لیس فقط على الكائنات البشریة، بل وحتى الحیوانات وبالخصوص الثدییات التي سنصبح مطالبین بمعاملتھا كغایة لا كمجرد وسیلة!

الشخص بین الضرورة والحتمیة:

استشكالات أولیة:

یبدو أن مدار الحدیث عن مفھوم الشخص – كذات عاقلة وحرة تنسب إلیھا مسؤولیة افعالھا – ینحصر في قضیتین: الكرامة والمسؤولیة. یشیر المفھوم الأول إلى مایحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بینما یشیر المفھوم الثاني إلى ماھو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أیضا.
بحثنا المفھوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفھوم الثاني، فمن الیسیر أن نتصور بأن المسؤولیة لاتنفصل عن صفة أخرى وھي الحریة التي یطالب بھا الفرد كجزء من كرامته، وھذه المرة أیضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحریات السیاسیة لأن المانع دونھا جلي واضح، وھو النظام السیاسي ومختلف أشكال التضییق والقمع التي یمارسھا على حریة الأفراد في التجمع والتعبیر، سیقتصر بحثنا فقط على الحریة التي یحاسب الشخص بموجبھا أخلاقیا من قبل الغیر أو من قبل ضمیره الشخصي (تأنیب الضمیر) أو تلك الحریة التي تترتب عنھا المسؤولیة المدنیة أو الجنائیة والتي بموجبھا یحاسب المرء قانونیا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولیة أي توفر عنصر الحریة والاختیار، وبناءا علیه یعرض المتھم نفسه للعقوبات المقررة.
ھل ھذه الحریة المفترضة موھومة، لأن الشخص یرزح تحت وطأة مجموعة من الإكراھات والإشراطات التي لایطالھا وعیه أحیانا، أم أن الشخص البشري لیس موضوعا ولاتجوز في حقه مقولات العلم وعلى رأسھا الحتمیة؟
موقف العلوم الإنسانیة: تتمثل الضرورة في خضوع الشخص لحتمیات تتجاوز وعیه وتلغي حریته
في المحورین السابقین تمت مقاربة مفھوم الشخص من زاویة الوعي وبشكل مجرد من كل تعیین، بید أن الكائن البشري بنیة سیكوفیزیولوجیة وكائن سوسیوثقافي، فلا یسعه الإنفلات من قوانین الفیزیولوجیا والمحددات النفسیة والإكراھات السوسیوثقافیة.
إن تجاھل ھذه الشروط ھي مایجعل كل إنسان یعتقد أنه السید في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصیته.
ھناك مذاھب فلسفیة كثیرة قامت على فكرة الحتمیة الكونیة الشاملة فلم تر في الشعور بالحریة سوى وھم ناتج عن جھل
بسلسلة العلل والأسباب، وكما یقول اسبینوزا، فإنا الناس یعون حقا رغباتھم لكنھم یجھلون العلل الخفیة التي تدفعھم إلى الرغبة في ھذا الموضوع او ذاك. وبیدو أن العلوم الإنسانیة المعاصرة تقدم دلائل إضافیة داعمة للتصور الحتمي السبینوزي،: فالتحلیل النفسي مثلا یرى البناء النفسي للشخصیة كنتیجة حتمیة لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثیر من الأنشطة الإنسانیة تحركھا دوافع الھو اللاشعوریة ذات الطبیعة الجنسیة أو العدوانیة. ھذا الھو الذي قال عنه “نیتشه”: وراء أفكارك وشعورك یختفي سید مجھول یریك السبیل، إسمه الھو. في جسمك یسكن، بل ھو جسمك، وصوابه أصوب من كلام الإنسان كلام مھموس له به من طرف الھو، الذي یعبر “صواب حكمتك”، بل إن بول ھودار یذھب إلى حد القول بأن عن نفسه في الإنسان عندما یحاول الإنسان أن یعبر عن ذاته!!
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجیا، فإن طبقات مھمة في الشخصیة لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصیة الأساسیة للمجتمع أو الشخصیة الوظیفیة لجماعة الإنتماء، بحیث یمكن القول مع دوركایم أنه كلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع ھو الذي یتكلم أو یحكم من خلاله. وإذا كانت التنشئة الإجتماعیة تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن ھذه الثقافة بدورھا حسب التحلیل الماركسي لیست سوى انعكاس للبنیة التحتیة المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي ھو الذي یحدد الوعي لا العكس.
حاصل الكلام ھو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنیویة، لأن البنیات النفسیة الإجتماعیة اللغویة… ھي التي تفعل ولیس الذات أو الفرد. ھل یمكن بعد كل ھذا الحدیث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القیام بعمل إرادي؟ ھل للسؤال “من أنا ” بعد من قیمة؟!!
موقف سارتر ومونییه:إن كون الكائن البشري شخصا ھو بالضبط مایسمح له بأن یبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال یقنع نفسه بأن له شیئا یفعله، شیئا یبقى علیه أن یفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعیا یمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتمیات الشارطة یمثل خطوة أولى على طریق التحرر من تأثیرھا أسبقیة الوجود على الماھیة من خاصیة الوعي لأن الإنسان لیس إشراطھا المطلق، لقد اشتقت الوجودیة مقولة وجودا في ذاته كالأشیاء، بل وجودا لذاته: یوجد ویعي وجوده، مما یجعل وجوده تركیبة لانھائیة من الإختیارات والإمكانیات؛ وعلى عكس الطاولة أو الشبل اللذان یتحدد نمط وجودھما بشكل خطي انطلاقا من ماھیتھما القبلیة، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل ھذه الماھیة التي قد تسمح بتعریفه أو الحدیث عن شخصیته على نحو قبلي مسبق. صحیح أن الفرد یحیا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعیة محددة اجتماعیا وتاریخیا، لكن ردود أفعاله واختیاراته لاتحددھا ھذه الشروط الموضوعیة وحدھا، بل وأیضا المعنى الذاتي الذي یفھم بموجبه ھذه الشروط والأوضاع مما یفسح مجالا واسعا للحریة وانفتاح الممكنات. من ھنا نفھم تصریح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم علیه بأن یكون حرا، وبان الإنسان لیس شیئا آخر غیر مایصنع بنفسه.
ونستطیع استثمار أطروحة سارتر التي أتینا على ذكرھا للقول بأن الإنسان لیس آلة إلكترونیة، حتى لو أضفنا لھا صفات الذكاء والصنع المتقن كما یقول إیمانویل مونییه الذي یرفض كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع لأن البشر لیسوا صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حیوانات ذكیة بمعنى أن كل المعرفة الوضعیة التي راكمتھا العلوم الإنسانیة لا یمكنھا أن تستنفذ حقیقة الشخص الذي یظل أكثر من مجرد شخصیة أي أكثر من مجرد نظام سیكوفیزیولولجي وسوسیوثقافي.
نلاحظ أن وجودیة سارتر وشخصانیة مونییه یتقاطعان في رفض الخطاطة التبسیطیة التي تجعل الشخص والظاھرة الإنسانیة عموما ظاھرة خاضعة على غرار الظواھر الطبیعیة لمقولات العلم الموضوعي وعلى رأسھا الحتمیة، إن الإنسان بالنسبة لفلاسفة الحریة تجربة ذاتیة منغرسة في العالم لاتتوقف عن إبداع نفسھا ولكن تقول العلوم الإنسانیة: إنه لایبدع ولایعبر إلا عن مجمل الشروط التي یتلقى!


خلاصة عامة للدرس:


إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع “الشخص”، فسنقول بأن الشخص، تلك الوحدة الصوریة، ذلك الكائن المفكر العاقل والواعي…إلخ ینطوي في المستوى المحسوس على شخصیة ھي حصیلة تفاعل بین عوامل باطنیة وأخرى متعلقة بالمحیط الخارجي، إنھا ذلك الشكل الخاص من التنظیم الذي تخضع له البنیات الجسمیة، النفسیة والإجتماعیة. صحیح أن ھذا التنظیم یخضع لعوامل ومحددات موضوعیة كثیرة، لكن ذلك لایلغي دور الشخص في بناء شخصیته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكالیا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص لیست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا