الحریة

0
501

مــقـدمــــة:

مما لامناص منعه أن مفھوم الحریة من المفاھیم الفلسفیة الأكثر جمالیة ووجدانیة، فلھذا السبب اتخذت دائما شعارا للحركات التحرریة والثوریة ومختلف المنظمات الحقوقیة في العالم، باعتبارھا قیمة إنسانیة سامیة تنطوي على مسوغات أخلاقیة واجتماعیة وأخرى وجدانیة وجمالیة. إلا أنھا تعد من المفاھیم الفلسفیة الأكثر جدلا واستشكال.
فقد طُرحت الحریة بالقیاس دوما إلى محددات خارجیة؛حیث كانت مسألة الحریة تطرح في الفكر القدیم قیاسا إلى القدرة والمشیئة الإلھیة والیوم تُطرح قیاسا إلى العلم الحدیث بشقیه ،سواء علوم الطبیعة أم الإنسان.
فماذا تعني الحریة:

ھل الحریة أن نفعل كل ما نرغب فی؟

أم أنھا محدودة بحدود حریة الآخرین؟

وبناء على ذلك أین یمكننا أن نموقع الذات الإنسانیة؟

ھل ھي ذات تمتلك حریة الاختیار وبالتالي القدرة على تحدید المصیر؟

أم أنھا ذات لھا امتدادات طبیعیة خاضعة لحتمیات متعددة؟

ثم ھل الحریة انفلات من رقابة القانون وأحكامه؟ أم أنھا رھینته؟

1 الحریة والحتمیة:

إذا كانت الحریة تتحدد بقدرة الفرد على الفعل والاختیار،فھل ستكون ھذه الحریة مطلقة أم نسبیة؟وھل ثمة حتمیات وضرورات تحد من تحقیق الإرادة الحرة لدى الإنسان؟
یرى سبینوزا، أن الحریة، أو بالأحرى الشعور بالحریة مجرد خطأ ناشئ مما في غیر المطابقة من نقص وغموض فالناس یعتقدون أنھم أحرار لأنھم یجھلون العلل التي تدفعھم إلى أفعالھم، كما یظن الطفل الخائف انه حر في أن یھرب، ویظن السكران انه یصدر عن حریة تامة، فإذا ما تاب إلى رشده عرف خطأه. مضیفا أنه لو كان الحجر یفكر، لاعتقد بدوره أنه إنما یسقط إلى الأرض بإرادة حرة. وبذلك تكون الحریة الإنسانیة خاضعة لمنطق الأسباب والمسببات الذي لیس سوى منطق الحتمیة.
أما كانط فینطلق في معرض بحثه لمفھوم الحریة،من فكرة تبدو له من المسلمات والبدیھیات، مفادھا أن الحریة خاصیة الموجودات العاقلة بالإجمال؛ لأن ھذه الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحریة. غیر أن أي محاولة من العقل لتفسیر إمكان الحریة تبوء بالفشل، على اعتبار أنھا معارضة لطبیعة العقل من حیث أن علمنا محصور في نطاق العالم المحسوس وأن الشعور الباطن لا یدرك سوى ظواھر معینة بسوابقھا، وھذه المحاولة معارضة لطبیعة الحریة نفسھا من حیث أن تفسیرھا یعني ردھا إلى شروط وھي علیة غیر مشروطة. كما ینص كانط على التعامل مع الإنسان باعتباره غایة، لا باعتباره وسیلة، ذلك لأن ما یعتبر غایة في ذاته ، ھو كل ما یستمد قیمته من ذاته، ویستمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي یعني استقلال الإرادة. یقتضي ھذا المبدأ بان یختار كل فرد بحریة الأھداف والغایات التي یرید تحقیقھا بعیدا عن قانون التسلسل العلي الذي یتحكم في الظواھر الطبیعیة.
في حین یرى كارل بوبر ضرورة إدخال مفھوم الحریة إلى دائرة النقاشات العلمیة ،وخلصھا من التصورات الحتمیة.فالعالم الفیزیائي حسبه مفتوح على إمكانیات إنسانیة عدیدة ،وھي إمكانیات حرة تتمیز بالإبداع والابتكار. فالأفعال والأحداث لیست من محض الصدفة، وإنما نابعة من الإرادة الحرة للفرد الذي یعیش وسط العوالم الثلاثة.
غیر أن سارتر یعتبر أن الحریة لا تتحدد فقط في الاختیار،وإنما في انجاز في انجاز الفرد لمشروعه الوجودي، مادام أنه ذاتا مستقاة تفعل وتتفاعل،أما الإحساسات والقرارات التي یتخذھا ،فھي لیست أسبابا آلیة ومستقلة عن ذواتنا،ولا یمكن اعتبارھا أشیاء وإنما نابعة من مسؤولیتنا وقدرتنا وإمكانیتنا على الفعل.

2 حریة الإرادة:

إذا كانت الحریة نابعة من قدرة الفرد على الاختیار والفعل فان الھدف الأساسي لھا یتجلى أساسا في تحصیل المعرفة وبلوغ الحقیقة. یمیز الفارابي بین الإرادة والاختیار:فالإرادة ھي استعداد یتوفر على نزوع نحو الإحساس والتخیل،في الوقت ذاته یتمیز الاختیار بالتریث والتعقل،ومجرد ما یحصل الإنسان المعقولات بتمییزه بین الخیر والشر،فانه یدرك السعادة الفعلیة وبالتالي یبلغ الكمال.
ولا یختلف اثنان في اعتبار سارتر فیلسوف الحریة بامتیاز، وكیف لا وھو الذي نصب نفسه عدوا لذودا للجبریین. لقد بذل ھذا الفیلسوف قصارى جھده للھبوط بالإنسان إلى المستوى البیولوجي المحض. فالحریة ھي نسیج الوجود الإنساني،كما أنھا الشرط الأول للعقل إن الإنسان حر،قدر الإنسان أن یكون حرا ، محكوم على الإنسان لأنه لم یخلق نفسه وھو مع ذلك حر لأنه متى ألقي به في العالم، فإنھ یكون مسؤولا عن كل ما یفعله. ھكذا یتحكم الإنسان حسب سارتر في ذاته وھویته وحیاته، في ضوء ما یختاره لنفسه بإرادته ووفقا لإمكاناته.
أما دیكارت فیعتبر الإرادة أكمل وأعظم ما یمتلك الإنسان لأنھا تمنحه القدرة على فعل الشيء أو الامتناع عن فعله، فھي التي تخرجه من وضعیة اللامبالاة وتدفعه إلى الانخراط في مجال الفعل والمعرفة والاختیار الحر.
أما نیتشه، فقد رفض الأحكام الأخلاقیة النابعة من التعالیم المسیحیة، معتبرا أنھا سیئة وأنھا أكدت، تأكیدا زائفا على
الحب والشفقة والتعاطف، وأطاحت ،في المقابل، بالمثل والقیم الیونانیة القدیمة التي اعتبرھا أكثر صدقا وأكثر تناسبا مع الإنسان الأرقى”superman” .فھذه الأخلاق – بالمعنى الأول – مفسدة تماما للإنسان الحدیث الذي یجب أن یكون “روحا حرة” ویثبت وجوده ویعتمد على نفسه ویستجیب لإرادته فقد اعتبر بوجه عام أن الحقیقة القصوى للعالم ھي الإرادة، ومثله الأعلى الأخلاقي والاجتماعي ھو ” الرجل الأوربي” الجید، الموھوب بروح حرة، والذي یتحرى الحقیقة بلا ریب، ویكشف عن الخرافات والترھات.

3 الحریة والقانون:

إذا اعتبرنا أن الحریة مقترنة بالإرادة الحرة وبقدرة الفرد على التغلب على الاكراھات والحتمیات ،فكیف یمكن الحد من الحریة المطلقة؟وما دور القانون في توفیر الحریة وترشید استعمالھا؟
لما كان الإنسان قد ولد وله الحق الكامل في الحریة والتمتع بلا قیود بجمیع حقوق ومزایا قانون الطبیعة ، في المساواة مع الآخرین ، فإن له بالطبیعة الحق، لیس في المحافظة على حریته فحسب، بل أیضا في أن یقاضي الآخرین، إن ھم قاموا بخرق للقانون ومعاقبتھم بما یعتقد أن جریمتھم تستحقه من عقاب. من ھذا المنطلق وُجد المجتمع السیاسي، حیث تنازل كل فرد عن سلطته الطبیعیة وسلمھا إلى المجتمع في جمیع الحالات التي لا ینكر علیھ فیھا حق الالتجاء إلى القانون الذي یضعه المجتمع لحمایته.
لا یعول توماس ھوبز كثیرا على القانون، فھو یعتقد أن كینونة الحریة في الإنسان ھي الدافع الأساسي لإعمال حریته ولیس القانون، مضیفا أنه إذا لم یكن الإنسان حرا بحق وحقیقة، فلیس ھناك موضع للإدعاء بأن ھذا الإنسان یمكنه أن یحظى بالحریة فقط عندما یكون تحت نظام قانوني معین… إذ تبقى الحریة عند ھوبز نصا یمتلك معنى واسعا، ولكنه مشروط بعدم وجود موانع لإحراز ما یرغب فیھ الإنسان، فالإرادة أو الرغبة لوحدھا لا تكفي لإطلاق معنى الحریة. وھوبز كغیره من رواد الفكر السیاسي الغربي، یؤمن بأن حریة الإنسان تنتھي عند حریة الآخرین، فقد رفض الحریة الزائدة غیر المقیدة، إذ أكد بأن الحریة لیست الحریة الحقیقیة لأنھا خارجة عن السیطرة، بالأحرى سیكون الإنسان مستعبدا من خلال سیادة حالة من الخوف المطرد المستمر. وھكذا ستتعرض المصالح الشخصیة الخاصة وحتى الحیاة نفسھا للرعب والذعر، من قبل الآخرین أثناء إعمالھم لحریاتھم. فالحریة المطلقة تقود إلى فقدان مطلق للحریة الحقیقیة.
وفي نفس الاتجاه یذھب مونتسكیو حیث یرى أن الحریة تنطوي على العدید من المعاني والدلالات ،وتقترن بأشكال مختلفة من الممارسات السیاسیة .فالحریة في نظره لیست ھي الإرادة المطلقة ، وإنما الحق في فعل یخوله القانون دون المساس بحریة الآخرین.
غیر أن أردنت Arendt ربطت الحریة بالحیاة الیومیة وبالمجال السیاسي العمومي ذلك أن اعتبار الحریة حقا یشترك فیه جمیع الناس، یفترض توفر نظام سیاسي وقوانین ینظمان ھذه الحریة، ویحددان مجال تعایش الحریات. أما الحدیث عن حریة داخلیة(ذاتیة)، فھو حدیث ملتبس وغیر واضح. إن الحریة، حسب أرندت، مجالھا الحقیقي والوحید ھو المجال السیاسي، لما یوفره من إمكانات الفعل والكلام، والحریة بطبعھا لا تمارس بشكل فعلي وملموس، إلا عندما یحتك الفرد بالآخرین، إن على مستوى التنقل أو التعبیر أو غیرھا، فتلك ھي إذن الحریة الحقیقیة والفعلیة في اعتقادھا.

خاتمة:

یتضح لنا جلیا من خلال ما سبق أن مفھوم الحریة مفھوم ملتبس، فكلما اعتقدنا أننا أحطنا بھا، انفلت منا ، فقد تعددت النظریات من فلسفة لأخرى بل من فیلسوف لآخر فھناك من میزھا عن الإرادة الفارابي، وھناك من رأى أنھا تحوي زخما كبیرا من الدلالات والمعاني مونتیسكیو ، وھناك كذلك من ربطھا بالحیاة الیومیة ولم یعزلھا عن حیاتنا السیاسیة كما ذھبت إلیه أرندت.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا